كيفية ممارسة القيادة التنفيذية الحديثة داخل المؤسسات

كيفية ممارسة القيادة التنفيذية الحديثة داخل المؤسسات

كيفية ممارسة القيادة التنفيذية الحديثة داخل المؤسسات

 

في السادسة صباحاً، قبل أن يزدحم البريد الوارد بالاجتماعات والطلبات، أجلسُ وحدي دقيقة واحدة فقط: أفتح لوحة المؤشرات، لا لأفتّش عن “أرقام جميلة”، بل لأبحث عن الحقيقة. الحقيقة التي لا تُقال أحياناً في الاجتماعات: هل فريقنا متماسك؟ هل المدراء في الخط الأوسط قادرون على حمل الضغط دون أن ينكسروا؟ هل قراراتنا تُدار ببيانات أم بانطباعات؟ وهل نُحسن استخدام الذكاء الاصطناعي كرافعة للإنتاجية أم كضجيجٍ تسويقي؟

على مدار سنوات في مقعد المدير التنفيذي، تعلّمت أن القيادة التنفيذية ليست “كاريزما” ولا “خطابات حماسية” ولا حتى “قرارات قوية” فحسب. القيادة التنفيذية هي هندسة بشرية-تشغيلية: تصميم نظام عمل يُخرج أفضل ما في الناس، ويحميهم من الاحتراق، ويُحوّل الاستراتيجية إلى واقعٍ يومي يمكن قياسه، ثم يُعيد التوازن كلما تغيّر السوق. ولأن سوق العمل اليوم يتبدّل أسرع من قدرة المؤسسات على التكيّف، أصبحت القيادة التنفيذية مهارة مركّبة: سردٌ يُقنع، وتحليلٌ يُحكم، وتعليمٌ يبني، وتفسيرٌ يبسّط، وحزمٌ لا يجرح الإنسان.

تعال واجلس بجواري على طاولة مجلس الإدارة  عبر “كواليس” القيادة التنفيذية الحديثة: لترى ماذا أفعل فعلياً كمدير تنفيذي؟ وكيف أُدير الثقافة قبل أن تُديرني؟ وكيف أرفع أداء المؤسسة دون أن أُهين الإنسان؟ وكيف أربط كل ذلك بسوق العمل بالمهارات المطلوبة وبالذكاء الاصطناعي الذي يغيّر القواعد الآن وليس غداً؟

 

القيادة التنفيذية اليوم: لماذا لم تعد كما كانت؟

قبل سنوات كان يُقال: “المدير التنفيذي يرسم الاستراتيجية، والباقي ينفّذ.” أما اليوم فالحقيقة أعقد: الاستراتيجية وحدها لا تنقذك إذا كانت “صحة المؤسسة” ضعيفة. تظهر أبحاث ماكنزي عن “مؤشر صحة المؤسسة” أن الشركات في الربع الأعلى من الصحة التنظيمية تُحقق  في المتوسط ثلاثة أضعاف عوائد المساهمين مقارنةً بالربع الأدنى.

ومع ضغط السوق، تظهر مشكلة أخطر: الانفصال الإنساني. تقرير “غالوب” عن حالة مكان العمل عالمياً يذكر أن نسبة الموظفين المنخرطين عالمياً هبطت إلى 21% في 2024، وأن تراجع انخراط المدراء كان أحد المحركات الرئيسية مع خسائر إنتاجية تُقدَّر بمئات المليارات. هذه الأرقام ليست “إحصاءات للعرض” بل إنذار تنفيذي: إذا لم تُدر الإنسان، فلن تُدار الأرقام.

 

ما الذي يفعله المدير التنفيذي فعلاً؟ ثلاث وظائف لا تُفوَّض بالكامل

عندما يسألني مديرٌ جديد: “ما أهم ما تفعله في منصبك؟” أجيبه بثلاثة أفعال، لا ثلاثة ألقاب:

1)    أحوّل الرؤية إلى قرارات قابلة للتنفيذ: فالرؤية ليست جملة على الحائط. الرؤية هي “معيار اختيار”: ماذا سنفعل… وماذا سنرفض، حتى لو كان مغرياً.

2)    أبني نظام تشغيل للمؤسسة: نظام التشغيل هو الطقوس الإدارية: اجتماعات ومؤشرات وصلاحيات وقنوات قرار وإيقاع مراجعات. بدونه تتحول الاستراتيجية إلى أمنية.

3)    أستثمر في الطبقة الوسطى من القيادة: لأنهم نقطة التماس مع السوق والموظف. وتذكّر: حين يتراجع انخراط المدراء، يتراجع انخراط الفرق خلفهم. وهذا ما تُحذّر منه تقارير “غالوب” بوضوح.

 

كيف تربط الاستراتيجية بسوق العمل؟ ابدأ من “القدرات” لا من “الأهداف

في صباح أحد الأيام، قررنا “زيادة الحصة السوقية”. هدف جميل… لكنه بلا أسنان. فسألت فريقي التنفيذي سؤالاً مزعجاً: ما القدرات التي يجب أن نملكها لنكسب هذه الحصة؟ ثم حوّلنا الهدف إلى قدرات قابلة للبناء:

  • قدرة تسعير ذكية.
  • قدرة ابتكار أسرع من المنافسين.
  • قدرة خدمة عملاء قابلة للتوسع.
  • قدرة بيانات تسند القرار.

وهنا يحدث التحول: سوق العمل لا يشتري “الأهداف”، بل يشتري “القدرات”. والقيادة التنفيذية الذكية هي التي تُترجم الاستراتيجية إلى قدرات، ثم إلى مهارات، ثم إلى أدوار وتوظيف وتدريب.

 

قيادة الثقافة: لأن الثقافة ستأكل استراتيجيتك على الإفطار

مرةً قال لي قائدٌ مخضرم: “الرقم يُطبع في التقارير… لكن الثقافة تُطبع في العيون.” الثقافة هي ما يحدث عندما لا يراك أحد. ولأن الثقافة موضوع ضخم، أتعامل معها كمنتج إداري له مكوّنات:

قيم معلنة + سلوكيات مرصودة + حوافز

فإذا اختلفت هذه الثلاثة، ستنتصر الحوافز دائماً.

 

السلامة النفسية ليست “رفاهية” بل شرط أداء

أبحاث “هارفارد بزنس سكول” وكتابات “هارفارد بزنس ريفيو” حول السلامة النفسية تُظهر أنها تساعد الفرق خصوصاً المتنوعة على طرح الأفكار والأسئلة والمخاوف دون خوف، ما يرفع جودة التعلم والأداء. وGoogle تناولت فعالية الفرق عبر أدلةre:Work  ضمن مشروعها لفهم فعالية الفرق، مؤكدة أهمية ديناميكيات الفريق (ومنها الأمان النفسي) في الفرق عالية الأداء.

كيف أبني السلامة النفسية كمدير تنفيذي؟

  • أُطبع “حق السؤال” في الاجتماعات: أسأل أصغر شخص قبل الأكبر.
  • أكافئ الاعتراف بالمشكلة: لا أعاقب من يرفع الخطر مبكراً.
  • أفصل الخطأ عن القيمة الإنسانية: نراجع السلوك، لا نكسر الشخص.

 

مساءلة بلا خوف: معادلة دقيقة

السلامة النفسية لا تعني غياب التوقعات. تعني أن التوقعات واضحة والعقوبة ليست عشوائية والتقييم مبني على معايير. هنا يتوازن الأداء والإنسان.

 

الطقوس” التي تُثبت الثقافة يومياً

  • اجتماع أسبوعي قصير: “ما الذي تعلمناه؟
  • مراجعة شهرية: “ما القرار الذي تأخرنا فيه؟ ولماذا؟
  • ربع سنوي: “ما المبدأ الذي خالفناه تحت الضغط؟

 

تمكين المدراء: نقطة الاختناق التي يتجاهلها كثيرون

في الواقع التنفيذي، الطبقة الوسطى هي “سير المحرك”. إذا تضررت، ستتضرر المؤسسة مهما كانت الاستراتيجية عبقرية. تقارير “غالوب” تشير إلى تراجع انخراط الموظفين عالمياً، مع ملاحظة انخفاض انخراط المدراء تحديداً كعامل رئيسي. وهذا يفسر لماذا كثير من المؤسسات تفشل في التحول: لأنها تدفع التحول من الأعلى، بينما يعيش الألم يومياً من هم في الوسط.

ما الذي أفعله عملياً؟

  • أضع للمدير “نطاق قرار” واضح: ما يقرره وحده، وما يحتاج تصعيداً.
  • أدرّبه على ثلاث مهارات سوقية: إدارة الأداء والمحادثات الصعبة وإدارة التغيير.
  • أزيل عنه العمل الإداري منخفض القيمة (أتمتة، تبسيط تقارير، دمج اجتماعات).

 

القيادة بالذكاء الاصطناعي التوليدي: من “تجربة” إلى “حوكمة

الذكاء الاصطناعي اليوم ليس قضية تقنية فقط، بل قضية قيادة تنفيذية: من يُقرر الاستخدامات؟ من يُحدد المخاطر؟ من يضمن عدم تحوّل الأدوات إلى فوضى؟

تقرير Microsoft/LinkedIn حول “مؤشر اتجاهات العمل” بين أن 75% من العاملين المعرفيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمل، وأن 78% من مستخدميه يجلبون أدواتهم الخاصة إلى العمل. كما أشار (BYOAI) إلى أن قادة كثيرين يرون ضرورة تبنيه للمنافسة، بينما يقلق بعضهم من غياب خطة قيادة واضحة للتطبيق. ومن زاوية CEOs، يُظهر استطلاع PwC العالمي أن عدداً كبيراً من الرؤساء التنفيذيين أبلغوا عن مكاسب كفاءة من GenAI خلال العام الماضي مع نسب ملحوظة أفادت بتحسن الكفاءة والربحية/الإيرادات.

 

ماذا يعني ذلك تنفيذياً؟

إذا كان الموظفون يجلبون الأدوات بأنفسهم، فالخطر ليس “عدم التبني”… بل تبنٍ غير مضبوط.

إطار تنفيذي سريع لحوكمة GenAI

1.     خارطة استخدامات: أين يُسمح؟ (تلخيص، صياغة، تحليل أولي) وأين يُمنع؟ (بيانات حساسة، قرارات امتثال).

2.     سياسة بيانات: ما الذي يمكن إدخاله للأداة وما الذي لا يمكن.

3.     معايير جودة: لا يُقبل مخرج دون تحقق بشري (Human-in-the-loop).

4.     رفع مهارات: تدريب عملي قصير من خلال اختيار معاهد تدريب معتمدة مثل معهد الحل الوحيد للتدريب والاستشارات حيث التركيز على التطبيق العملي، لا دورات نظرية.

 

مثال واقعي من شركة كبرى: أمازون كدرس في “القيادة بالأرقام والوضوح

لستُ مع تقديس الشركات، لكنني أتعلم من الحقائق. في رسالة المساهمين لعام 2024، عرضت Amazon نمواً في الإيرادات وتحسناً كبيراً في الدخل التشغيلي وهامش التشغيل. ما يهمني هنا ليس الرقم وحده، بل المنهج: وضوح المؤشرات وربط النتائج بالقرارات وتقديم سردٍ تنفيذي يُفهمه المستثمر والموظف معاً.

الدرس التنفيذي: لا تُحوّل مؤشراتك إلى “زينة”. والمؤشر ليس للتفاخر، بل لتغيير السلوك.

 

اتخاذ القرار تحت الضغط: كيف لا تتحول “القوة” إلى قسوة؟

أصعب لحظات المدير التنفيذي ليست إطلاق منتج… بل إيقافه. ليست توظيف فريق… بل إعادة هيكلة مؤلمة. وهنا معيار القيادة الإنسانية يظهر: هل تشرح القرار بصدق؟ هل تضع بدائل عادلة؟ هل تحمي كرامة الناس أثناء التنفيذ؟

في سوق العمل، السمعة الإدارية تنتقل أسرع من أي إعلان توظيف. والقيادة التنفيذية الحديثة تفهم أن “الناس” ليست بند تكلفة فقط؛ بل أصلٌ تنافسي، ومصدر سمعة، ومحرك ابتكار.

خطة عملية: أول 90 يوماً لقائد تنفيذي يريد نتائج بلا خسائر بشرية

إذا تخيلت نفسك مديراً تنفيذياً يبدأ اليوم، فهذه الخطة هي ما أطبقه عادةً:

الأسبوع 1–2: استمع بذكاء

  • مقابلات مركزة مع المدراء والموظفين: ما الذي يعيق الأداء؟
  • مراجعة المؤشرات: أين تتسرب القيمة؟

 

الأسبوع 3–6: ثبّت نظام التشغيل

  • تحديد 5 مؤشرات قيادية (Leading) لا 20 مؤشراً متأخراً (Lagging)
  • بناء إيقاع اجتماعات قصير وفعّال
  • تحديد مسارات القرار والصلاحيات

 

الأسبوع 7–12: اربح “الوسط

  • برنامج دعم للمدراء: أدوات محادثات الأداء، إدارة ضغط، تفويض ذكي
  • إزالة عبء التقارير والاجتماعات غير الضرورية
  • بدء مبادرة GenAI بحوكمة واضحة (استخدامات + بيانات + تحقق)

 

القيادة التنفيذية هي التي تكسب السوق… وتحفظ الإنسان

القيادة التنفيذية ليست لقباً، بل ممارسة يومية تُثبت نفسها عندما يكون لديك نظام تشغيل واضح، لا اجتماعات بلا معنى وتُقاس صحة المؤسسة كما تُقاس الإيرادات (لأن الصحة تصنع الإيرادات على المدى الطويل)، أيضاً تُدار طبقة المدراء كأولوية استراتيجية لأن تراجع انخراطهم يسحب المؤسسة كلها إلى أسفل. كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي كرافعة إنتاجية بحوكمة، لا كفوضى أدوات شخصية.  بالاضافة إلى حماية السلامة النفسية لاخراج الأفكار والمخاوف مبكراً، لأن الصمت مكلف وأيضاً تُقديم الحقيقة بأدب والقرار بحزم والتنفيذ بكرامة، الأهم من ذلك هو الاستثمار المنهجي في تنمية الموارد البشرية، عبر إشراك الموظفين والمدراء في برامج تدريبية وورش عمل معتمدة ومصممة خصيصاً لتلبية احتياجات المؤسسة، مع تركيز واضح على التطبيقات العملية، ودراسات الحالة، والمحاكاة الواقعية لبيئة العمل. ويتحقق الأثر الحقيقي لهذا الاستثمار من خلال اختيار شريك تدريب استراتيجي قوي ومعتمد، يمتلك الخبرة والموثوقية. ويُعد معهد الحل الوحيد للتدريب والاستشارات من أبرز المعاهد في هذا المجال، لما يتمتع به من سمعة مهنية راسخة وقدرات تدريبية متميزة جعلته خياراً متقدماً يفوق غيره من معاهد التدريب.

...