كيفية بناء منظومة متكاملة للأمن والصحة والسلامة المهنية مدعومة بالذكاء الاصطناعي
كيفية بناء منظومة متكاملة للأمن والصحة
والسلامة المهنية مدعومة بالذكاء الاصطناعي
عندما تصبح السلامة المهنية قراراً استراتيجياً لا خياراً
تشغيلياً!
عندما
استلمت منصبي كمدير للأمن والصحة والسلامة المهنية في إحدى أكبر الشركات متعددة المواقع،
كان أول ما أدركته أن النجاح لم يعد يُقاس فقط بحجم الأرباح أو عدد الأسواق التي
ندخلها، بل بقدرتنا على أن نضمن عودة كل موظف إلى منزله سليماً في نهاية اليوم.
في
السنوات الأخيرة، تؤكد تقارير منظمة
العمل الدولية أن قرابة ثلاثة ملايين إنسان يموتون سنوياً بسبب الحوادث
والأمراض المرتبطة بالعمل، إضافة إلى حوالي 395
مليون إصابة غير قاتلة حول العالم.
هذه الأرقام لا تعني خسائر بشرية مؤلمة فحسب، بل تمثل أيضاً نزيفاً اقتصادياً
يُقدّر ما بين 4 – 5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بسبب ضعف ممارسات الأمن
والسلامة.
في هذا
الواقع المعقّد، لم يعد مجال الأمن والصحة والسلامة المهنية
(HSE / OSH) مجرد التزام قانوني أو بنداً في
تقارير الاستدامة؛ بل أصبح محوراً أساسياً في استراتيجية الأعمال وفي قدرة الشركة
على المنافسة وجذب الكفاءات وتقليل التكاليف الخفية. والآن، مع الطفرة في
تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية والأجهزة القابلة للارتداء والرؤية الحاسوبية،
أصبح بإمكاننا – كمتخصصين في هذا المجال – الانتقال من ردّ الفعل إلى الاستباقية،
ومن معالجة الحوادث بعد وقوعها إلى منعها قبل أن تبدأ.
في
السطور التالية سأشارككم – بصوت “مدير الأمن والصحة والسلامة المهنية” – رؤية
عملية وقصصاً حقيقية وممارسات عالمية حول:
لماذا أصبحت السلامة المهنية قضية
أعمال؟ كيف يغير الذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة؟ وكيف تبني منظومة سلامة مدمجة رقمياً
في شركتك، مهما كان حجمها؟
لماذا أصبحت
السلامة المهنية قضية أعمال قبل أن تكون قضية امتثال؟
عندما
أقدّم خطة سنوية لمجلس الإدارة، لا أبدأ بعدد الحوادث المسجّلة أو ساعات العمل
الآمنة. أبدأ بسؤال بسيط" "كم
تكلّفنا الحوادث فعلياً؟ مالياً، وبشرياً، وسمعةً؟"
الدراسات
الحديثة تشير إلى أن ضعف ممارسات الأمن والصحة والسلامة المهنية يمكن أن يلتهم ما
بين 4 – 5% من الناتج المحلي للدول، وهو رقم ينعكس بشكل مباشر على أرباح الشركات،
عبر:
- توقف خطوط الإنتاج بسبب الحوادث
- تكاليف التعويضات والتأمين
- فقدان الخبرات نتيجة الإصابات المزمنة أو الاستقالات
- الأثر المعنوي على فرق العمل وانخفاض المشاركة والالتزام
في
المقابل، تُظهر تقارير منظمات مهنية أن الشركات التي تستثمر بجدية في السلامة:
- تحقق انخفاضاً كبيراً في الحوادث الجسيمة
- تحسن مستويات الإنتاجية وجودة العمل
- ترفع درجة ثقة المستثمرين والعملاء بها
- تجذب الكفاءات التي تبحث عن بيئة عمل آمنة ومحترمة
للإنسان
بمعنى
آخر، الاستثمار في السلامة المهنية استثمار مباشر في الربحية والاستدامة وليس
بنداً "تجميلـياً" في تقرير المسؤولية المجتمعية.
مشهد المخاطر
اليوم: ماذا تقول الأرقام العالمية؟
قبل أن
نناقش الذكاء الاصطناعي، علينا أن نفهم حجم التحدي:
- وفقاً لأحدث تقديرات منظمة
العمل الدولية، بلغ عدد الوفيات المرتبطة بالعمل حوالي 2.93 مليون حالة
في عام 2019، بينما قاربت الإصابات غير القاتلة 395 مليون
إصابة حول العالم.
- تقرير مشترك سابق لمنظمة
الصحة العالمية والـ ILO قدّر أن 1.9 مليون
شخص توفوا عام 2016 بسبب أمراض وإصابات مهنية مثل السكتات الدماغية وأمراض
القلب وبعض أنواع السرطان الناتجة عن التعرض لعوامل خطرة في العمل.
- في قطاعات مثل التخزين والتصنيع والإنشاءات، سجّل عام
2022 أكثر من 700 ألف إصابة غير قاتلة وأكثر من 2000 حادثة قاتلة في بعض الدول الصناعية، وفق تقرير مكتب المحاسبة الحكومي
الأمريكي لعام 2024، ما دفع هذه القطاعات إلى زيادة الاعتماد على
التقنيات الذكية والـ Wearables لحماية العمال.
هذه
الأرقام ليست بعيدة عنا في منطقتنا العربية؛ فمع نمو قطاعات الطاقة والإنشاءات
والخدمات اللوجستية، تتشابه أنماط المخاطر:
- العمل في ارتفاعات
- المعدات الثقيلة
- البيئات عالية الخطورة (حرارة، مواد كيميائية، ضوضاء،
حركية عالية)
ولذلك،
فإن نضج منظومة الأمن والصحة والسلامة المهنية لم يعد رفاهية، بل ضرورة تتزايد
حدتها مع تعقّد العمليات الصناعية واللوجستية.
من موقع
المسؤولية: كيف أرى دوري كمدير أمن وصحة وسلامة مهنية؟
في شركة
ضخمة متعددة المواقع، أشعر أن دوري يتجاوز لوائح السلامة وتعليمات الـ PPE. دوري الحقيقي هو:
1)
حارس حياة
(Life Guardian)
o لا أسمح بأن تتحول أهداف الإنتاج إلى
ضغط يُعرّض العاملين للخطر.
o أضع "إيقاف العمل" كخيار
مشروع لأي مشرف أو عامل يرى خطراً وشيكاً.
2)
شريك أعمال (Business Partner)
o أربط مؤشرات السلامة (TRIR, LTIFR, Near Misses) بمؤشرات الأداء التشغيلي والإنتاجية.
o أشرح للإدارة كيف أن تحسين بيئة العمل
يقلل الهدر والأعطال وتحركات الطوارئ غير المخطط لها.
3)
قائد تحول رقمي في السلامة
(Digital HSE Champion)
o أدمج الذكاء الاصطناعي والتحليلات
التنبؤية والأجهزة القابلة للارتداء في منظومة السلامة.
o أعمل مع فرق تقنية المعلومات
والبيانات لضمان حوكمة سليمة للبيانات وتحليلها لصالح حماية العاملين.
4)
مؤثر في الثقافة
(Culture Architect)
o أبني لغة مشتركة للسلامة يفهمها
العامل في الميدان والمدير التنفيذي في المكتب.
o أتعامل مع كل حادثة أو "قرب
حادث" كفرصة تعلم جماعية وليست فقط طلب تحقيق داخلي.
كيف يغيّر
الذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة في الأمن والصحة والسلامة المهنية؟
التحليلات
التنبؤية: من رد الفعل إلى الاستباق
الأبحاث
المنشورة عام 2024–2025 في مجال الأمن والصحة المهنية تؤكد أن الذكاء الاصطناعي
والتحليلات التنبؤية تمثل نقلة نوعية في إدارة المخاطر. فالفكرة بسيطة وعميقة في آن واحد:
- نجمع بيانات ضخمة من:
- تقارير الحوادث والقرب من الحوادث (Near Miss)
- نتائج التفتيش والتدقيق الميداني
- بيانات الوقت الفعلي من الحساسات والأجهزة القابلة
للارتداء والكاميرات
- نستخدم خوارزميات تعلم الآلة (Machine Learning) لتحليل الأنماط الخفية وعلاقات الارتباط
- تخرج لنا نماذج تتنبأ بأماكن وأوقات وأنواع المخاطر
الأعلى احتمالية
تظهر تقارير
مهنية أن تبني التحليلات التنبؤية في برامج
HSE يمكن أن:
- يقلل من الحوادث الجسيمة (SIFs) بشكل
ملحوظ
- يحوّل الاجتماعات الأسبوعية للسلامة من مراجعة الماضي إلى
تخطيط استباقي للأسبوع القادم.
الرؤية
الحاسوبية: عين لا تنام في الموقع
في
مشاريع البناء الكبرى والمصانع ذات المساحات الشاسعة، من المستحيل عملياً أن يراقب
فريق السلامة كل نقطة في كل لحظة. هنا تأتي الرؤية الحاسوبية
(Computer Vision) لتعويض هذا النقص:
- أنظمة حديثة تُحلّل بث الكاميرات لحظياً للتحقق من:
- الالتزام بارتداء معدات الوقاية الشخصية (خوذة، سترة
عاكسة، نظارات، قفازات…)
- وجود عوائق في مسارات المشاة
- الاقتراب الخطير بين العمال والمعدات الثقيلة
- بعض الدراسات
التطبيقية في 2024–2025 تشير إلى أن تطبيق أنظمة رؤية حاسوبية للكشف عن
معدات الوقاية والمخاطر في مواقع الإنشاءات أدى إلى خفض الحوادث بنسبة وصلت
إلى 34% خلال 12 شهراً في بعض المشاريع.
من واقع
تجربتي، ما يميز هذه الأنظمة أنّها:
- لا تحل محل المشرفين، بل تمنحهم "راداراً
رقمياً" ينبههم لمناطق الخطر
- توفر لوحات قيادة (Dashboards) تبين
مواقع عدم الالتزام المتكررة، فتساعدنا على توجيه التدريب حيث يلزم
الأجهزة
القابلة للارتداء: العامل المتصل (Connected Worker)
التطور
في الأجهزة القابلة للارتداء (Wearables) غيّر الطريقة التي ننظر بها إلى السلامة الشخصية:
- حساسات تُلبس حول المعصم أو توضع في الخوذة تقيس:
- وضعية الجسم والحمل العضلي لتقليل مخاطر الإصابات
العضلية–الهيكلية
- معدل ضربات القلب ومستويات الإجهاد الحراري
- موقع العامل في الزمن الفعلي بالنسبة للمناطق الخطرة أو
المعدات المتحركة
- مراجعة علمية حديثة في مجلة Sensors لعام 2025 بينت أن الأجهزة
القابلة للارتداء أصبحت عنصراً محورياً في تحسين بيئة العمل وتقليل الإصابات
المرتبطة بالإجهاد والتحميل الزائد في بيئات Industry 4.0
- تقرير أمريكي لعام 2024 أشار أيضاً إلى أن تبني هذه
الأجهزة في قطاعات التخزين والتصنيع والإنشاءات جاء استجابة لأكثر من 700 ألف
إصابة، وأن هذه التقنيات تُستخدم ليس فقط لحماية العمال، بل لتحسين الكفاءة
والإنتاجية.
دروس من شركات
عالمية: ماذا يحدث عندما نستثمر بجدية في سلامة مدعومة بالذكاء الاصطناعي؟
برنامج “Work
to Zero” وتقنيات
منع الوفيات
المجلس
الوطني للسلامة في الولايات المتحدة (NSC) أطلق مبادرة Work to Zero لدراسة أثر التقنيات الحديثة – بما فيها الذكاء الاصطناعي
والرؤية الحاسوبية والأجهزة القابلة للارتداء – على تقليل الوفيات والإصابات
الجسيمة.
تقرير Safety Technology 2024
أظهر أن الشركات التي تبنّت حلولاً مثل:
- أنظمة تحليلات تنبؤية للحوادث
- مراقبة آلية لمعدات الوقاية باستخدام الرؤية الحاسوبية
- تقنيات عامل متصل (Connected Worker) عبر Wearables
حققت:
- تحسناً ملحوظاً في الكشف المبكر عن المخاطر
- انخفاضاً في حوادث السقوط والاصطدام والمخاطر المرتبطة بالتعب
- تغييراً في ثقافة السلامة؛ إذ أصبح القرار المدعوم
بالبيانات جزءاً من الحوار اليومي في مواقع العمل
شركات
الإنشاءات الكبرى وتحوّل مراقبة السلامة
في
دراسات حالة حديثة في قطاع الإنشاءات، تم تطبيق أنظمة رؤية حاسوبية مرتبطة بنماذج
معلومات المباني (BIM)، ما أتاح:
- متابعة تلقائية لحركة العمال والمعدات في الموقع
- رسم خرائط للمناطق ذات الكثافة العالية للمخاطر
- إرسال تنبيهات فورية عند دخول عامل لمنطقة حظر أو تعامل
غير آمن مع معدات
إحدى
هذه الدراسات أبلغت عن تراجع في الحوادث المسجلة بنسبة تتراوح بين 25–34% خلال سنة واحدة
بعد تطبيق أنظمة الرؤية الحاسوبية والتحليلات التنبؤية؛ وهو رقم – لو طبقناه على مشاريعنا
– يمكن أن ينقذ أرواحاً
ويختصر ملايين الدولارات من تكاليف
التعطل والتعويضات.
خطوات عملية
لدمج الذكاء الاصطناعي في برنامج الأمن والصحة والسلامة المهنية
من واقع
عملي، أي مشروع لدمج الذكاء الاصطناعي في السلامة يمر بخمس مراحل رئيسية:
1)
تقييم الجاهزية الرقمية
والبيانية
- مراجعة ما لدينا من بيانات:
- حوادث وقرب حوادث
- تقارير تفتيش
- سجلات الصيانة
- بيانات الحضور والانصراف والورديات
- تقييم جودة البيانات: هل هي مكتملة؟ موحدة التعاريف؟
متاحة رقمياً؟
- تحديد الفجوات:
- غياب الترميز الموحد لأنواع الحوادث
- نقص في تسجيل القرب من الحوادث (Near Misses)
2)
تحديد حالات الاستخدام ذات
القيمة العالية
لا ننصح
بأن نبدأ بكل شيء دفعة واحدة. أفضل ما رأيته يعمل في الشركات الكبرى هو اختيار 2–3
حالات استخدام ذات أثر مباشر، مثل:
- التنبؤ بالحوادث في مناطق محددة (مثل الورشة أو ساحة التحميل)
- مراقبة الالتزام بمعدات الوقاية في مناطق حرجة
- رصد الإرهاق والإجهاد الحراري للعمال في المواقع الخارجية
3)
بناء فرق مشتركة
(بيانات + تقنية معلومات + HSE)
مشروع
الذكاء الاصطناعي في السلامة لا يمكن أن ينجح إذا كان "مشروع قسم السلامة
وحده" أو "مشروع قسم التقنية وحده".
نحن
بحاجة إلى:
- خبراء السلامة لصياغة الأسئلة الصحيحة وتعريف مؤشرات
الخطر
- علماء بيانات لتحليل الأنماط وبناء النماذج
- فريق تقنية المعلومات لضمان أمن البيانات ودمج الأنظمة
4)
التجربة ثم التوسّع Scale → Pilot
نبدأ
بموقع واحد أو خط إنتاج محدد، نطبّق فيه:
- جمع بيانات محسّن
- نموذج تحليلات تنبؤية أو نظام رؤية حاسوبية أو حل Wearables
- قياس النتائج خلال 3–6 أشهر:
- نسبة انخفاض القرب من الحوادث
- تحسن الالتزام بمعدات الوقاية
- تقليل الوقت الضائع بسبب التوقفات غير المخطط لها
بعدها،
نستند إلى الأرقام لطلب التوسّع في الاستثمار.
5)
دمج النتائج في عمليات
اتخاذ القرار اليومي
أكبر
خطأ هو أن تبقى نتائج الذكاء الاصطناعي في تقارير شهرية أو لوحات تحكم لا يراها
إلا عدد محدود من الناس. ما نحتاجه هو:
- إدخال مخرجات التحليلات التنبؤية في اجتماعات التخطيط
اليومي للموقع
- ربط التنبيهات الفورية بقنوات فعّالة (مثل تطبيقات الجوال
أو أنظمة اللاسلكي للمشرفين)
- استخدام النتائج في تصميم برامج التدريب والحملات
التوعوية المستهدفة
تحديات أخلاقية
وحوكمية: كيف نحمي الإنسان والبيانات معاً؟
دمج
الذكاء الاصطناعي في الأمن والصحة والسلامة المهنية يثير أسئلة مشروعة عند
العاملين:
- هل تتم مراقبتي طوال الوقت؟
- ماذا عن خصوصية بياناتي الصحية؟
- هل ستُستخدم هذه البيانات ضدي في التقييم أو الجزاءات؟
الدراسات
الحديثة في مجال "الذكاء الاصطناعي في الصحة المهنية" تؤكد ضرورة وضع
أطر واضحة للحوكمة، منها:
1)
الشفافية: وضيح ما
يتم جمعه من بيانات، ولماذا، ولمن ستكون متاحة.
2)
الغرض المحدد (Purpose Limitation):
استخدام بيانات السلامة لتحسين حماية العاملين فقط وليس للتتبع غير المبرر أو
الضغط على الأفراد.
3)
تقليل البيانات (Data Minimization):
جمع الحد الأدنى اللازم لتحقيق أهداف السلامة وعدم تخزين بيانات حساسة بلا داعٍ.
4)
إشراك العاملين: إشراك ممثلي العمال في تصميم سياسات استخدام
الذكاء الاصطناعي في السلامة وبناء الثقة عبر الحوار المفتوح.
ثقافة سلامة
إنسانية في عالم رقمي: كيف نخاطب الإنسان قبل النظام؟
حتى
أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدماً لا يمكن أن تعوّض عن ثقافة سلامة حقيقية. في
تجربتي، هناك خمس رسائل إنسانية يجب أن نكررها في بيئة العمل، مهما كان مستوى
الأتمتة:
1)
سلامتك أهم من الإنتاج: يجب أن يسمع العامل هذه الجملة من المدير المباشر، لا من
الملصقات على الجدران فقط.
2)
من حقك أن ترفض العمل غير الآمن: وأن يرى عملياً أن من يوقف عملاً خطيراً يُشكر ولا يُعاقب.
3)
أخطاؤنا فرص تعلم، لا فرص عقاب: إذا تعاملنا مع الحوادث والقرب من الحوادث بعقلية "البحث
عن المذنب"، لن يُصرّح أحد بما يحدث فعلاً.
4)
التقنية شريك لك، لا كاميرا عليك: يجب أن نشرح للعامل أن الأجهزة القابلة للارتداء والرؤية
الحاسوبية والتحليلات التنبؤية موجودة لحمايته، ولتحسين ظروف عمله، وليس للتضييق
عليه.
5)
سلامة الجميع مسؤولية الجميع: من العامل الجديد إلى المدير التنفيذي، الكل جزء من المعادلة؛
والذكاء الاصطناعي لن ينجح إذا لم يلتزم البشر بالحد الأدنى من السلوك الآمن.
توصيات عملية
لمديري الأمن والصحة والسلامة المهنية في الشركات الكبرى
أختم
معكم بمجموعة توصيات يمكن تحويلها مباشرة إلى خطة عمل، خاصة لمن يقودون برامج HSE في شركات كبيرة أو سريعة النمو:
1.
اربط السلامة بالاستراتيجية: اجعل مؤشرات السلامة جزءاً من لوحة مؤشرات الأداء التنفيذي، لا
ملحقاً في نهاية التقرير.
2.
استثمر في البيانات قبل الذكاء الاصطناعي: لا جدوى من خوارزميات متقدمة مع بيانات ناقصة أو غير موثوقة.
3.
ابدأ بحالات استخدام واضحة وقابلة للقياس: مثلاً: خفض حوادث السقوط في موقع معين بنسبة 30% خلال 12
شهراً عبر نظام رؤية حاسوبية وتحليلات تنبؤية.
4.
ابنِ تحالفاً داخلياً حول مشروع السلامة الرقمية: اشرك أقسام التقنية والموارد البشرية والتشغيل والمالية
والاتصال المؤسسي مبكراً.
5.
وازن بين التقنية والإنسان: غذِّ ثقافة سلامة إنسانية موازية للاستثمار الرقمي؛
فالخوارزميات لا تُصلح ثقافة متسامحة مع المخاطر.
6.
استفد من التجارب العالمية: تابع تقارير ILO وWHO وNSC، والأبحاث الأكاديمية الحديثة، ودراسات
الحالة في قطاعات مشابهة، وخصّص ما يناسب سياق شركتك المحلي.
7.
راجع سياسات الخصوصية والحوكمة بانتظام: مع تطور التقنيات، تتطور أيضاً المخاطر المرتبطة بالبيانات؛
حدّث سياساتك وأخلاقياتك بشكل دوري.
نحو بيئة عمل
آمنة، ذكية، وإنسانية
كمهنيين
في مجال الأمن والصحة والسلامة المهنية، نحن نقف اليوم في نقطة تحول تاريخية. من
جهة، الأرقام العالمية للحوادث والإصابات لا تزال مرتفعة بشكل غير مقبول. ومن جهة
أخرى، تتيح لنا موجة الذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية والرؤية الحاسوبية
والأجهزة القابلة للارتداء، أدوات لم تكن متاحة للأجيال السابقة لنقل السلامة إلى
مستوى جديد بالكامل.
المعادلة
الناجحة – كما أراها من موقع مسؤوليتي – تقوم على ثلاثة أعمدة:
1.
رؤية قيادية تعتبر السلامة أولوية أعمال واستثماراً
استراتيجياً
2.
تقنيات ذكية تستند إلى بيانات جيدة وتعمل وفق أطر أخلاقية
واضحة
3.
ثقافة إنسانية تحترم حق كل شخص في بيئة عمل آمنة وكريمة
إذا
استطعنا أن نجمع بين هذه الأعمدة الثلاثة، فإننا لا نحمي أرباح شركاتنا فحسب، بل نحمي
ما هو أثمن بكثير: حياة الإنسان وكرامته في العمل.
وكلما
وقفت في ساحة مصنع أو موقع إنشاءات، ورأيت عاملاً يغادر نهاية اليوم بابتسامة
وبدون إصابة، أذكّر نفسي وفريقي أن كل نظام وكل تدريب يتم اختياره
من خلال إدارة تدريب واعية تهتم لمواردها البشرية والمراكز التي تختارها بعناية
مثل معهد الحل الوحيد للتدريب
والاستشارات وكل نموذج ذكاء اصطناعي إنما وُجد من أجل هذه اللحظة بالذات.
هذا هو
جوهر رسالتنا في الأمن والصحة والسلامة المهنية… وهذا ما يجعل دمج الذكاء
الاصطناعي في هذا المجال ليس فقط "ابتكاراً تقنياً"، بل خطوة أخلاقية
وإنسانية نحو مستقبل عمل أكثر أماناً وعدلاً للجميع.
...